سفير أمريكي سابق يفكك علاقة “أوباما وترامب” مع العراق.. تحدثنا بلسان الرئيس وأوهمنا الآخرين بالفشل

كشف مسؤول أمريكي رفيع، عاصر العديد من التحولات في منطقة الشرق الأوسط، بداية من انهيار النظام في العراق عام 2003، مروراً بانسحاب الجيش نهاية 2011، كشف عن طبيعة تعاطي الادارات الامريكية مع الاوضاع في المنطقة لاسيما العراق، وتحديدا الدور المؤثر الذي لعبته ايران خلال تلك الفترة واستمر الى العقدين الماضيين، فضلا عن تأثير هذا النفوذ وانحساره بعد عملية السابع من أكتوبر.
خطاب من تأليف أوباما
وقال جيمس جيفري، السفير الأميركي السابق لدئ العراق ومبعوث واشنطن إلى سوريا، والخبير في القضايا الاستراتيجية في مناطق الشرق الأوسط، في لقاء متلفز، تابعته “دجلة نيوز” ان “فترة عملي كسفير من 2010 الى 2012 بحلول ذلك الوقت كانت سياستنا في العراق ناجحة نسبيا وكنا نسير وفق خطة واضحة لسحب جميع قواتنا بحلول نهاية 2011 وذلك بموجب الاتفاق بين الرئيس بوش والحكومة العراقية في عام 2008”.
واضاف، ان “مستويات العنف كانت قد انخفضت بشدة وكان العراق يعاني بعض الشيء لكنه كان يحاول النهوض كدولة طبيعية الى حد ما. لست راضيا عن كل ما جرى فيه بعد عام 2010 لاسيما النفوذ الايراني وهجوم تنظيم الدولة الاسلامية في 2014 لكن مقارنة بافغانستان كان العراق قصة نجاح”.
وأوضح جيفري، انه “كانت هذه رسالتي الاساسية في العراق، ولم يكن الخطاب من تأليفي، بل ألفه باراك أوباما قبل ذهابي الى العراق في ما يعرف بخطاب (كامب ليجون) من عام 2009 والذ كان يتعلق بالعراق، وتضمن فكرتين رئيسيتين، أولا، الولايات المتحدة تعتبر العراق مهماً لدينا فيه ما يعرف في عالم المال بالكلفة الغارقة في الالتزام والتدخل الامريكي ومليارات الدولارات التي انفقتها امريكا اضافة الى الاعداد الكبيرة من القتلى والجرحى ونعتبره بلدا بالغ الاهمية لانه ثاني أكبر بلد منتج للنفط حاليا”.
لم نكن بارعين جداً
ولفت جيفري، الى ان “الجزء الثاني من الرسالة، وأؤكد انها صورة عن آراء باراك أوباما، ان وجودنا هنا ليس لاصلاح كل مشكلاتكم وهذا في الواقع، كان تمهيدا لما قاله الرئيس ترامب لاحقا في الرياض قبل اسابيع قليلة، بان امريكا لم تعد تتدخل لاعادة هيكلة الدول من الداخل، كنا قد فعلنا ذلك في العراق وصراحة توجب علينا ذلك لأن ما فعلناه لم يقتصر على الاطاحة بالدولة فقط بل والحكومة والمجتمع ذاته الى حد ما في عام 2003، وبالتالي كان علينا تحمل المسؤولية، لكننا توقفنا عن ذلك الآن، ولم نكن باريعن جدا فيه.
واشار جيفير، الى اننا “كنا نتدخل بشكل كبير في دول مثل افغانستان والعراق واوربا الشرقية وفي دول الربيع العربي ايضا، كي نصنع حكومات سياسية مستقلة سواء كان لهذه الدول او لسكانها على اساس فلسفتنا الليبرالية، وهنا يكمن التناقض، فنحن من كان يقرر شكل النظام ثم نتولى زمام الامور بحجة ايصالهم الى هذه المرحلة، على الرغم من ان اساس تلك المرحلة هو حق الشعوب في اتخاذ قراراتها، واننا لا نستطيع فعل ذلك، والعالم عليه ان يعالج نفسه بنفسه، وبامكاننا التعامل مع بعض الأمور، أولها، رغبة الدول في التجارة معنا، وأن تقيم علاقات معنا، بين دولة وأخرى، ونحن مستعدون لفعل ذلك”.
استبدال العراق بأي دولة!
وقال ايضا، انه “عندما يصل الامر الى تهديد الدول لنا أو للنظام الدولي أو شركاشنا وحلفائنا سنحاول حينئذ درء محالولاتهم والسيطرة على مساعيهم التوسعية على المدى الطويل، وايران خير مثال على ذلك، الى جانب روسيا والصين، لكننا لم نعد نريد التدخل بعد الآن في تحويل المجتمعات، وهذا النهج بدأ مع باراك اوباما في العراق وكان ذلك موقفه الشخصي تجاه العراق وفي نفس الوقت دعم التعزيز العسكري في افغانستان وساند الربيع العربي بشدة. اذن لم يكن ذلك مبدأ عاما لديه بل كان موقفا خاصا من العراق بناء على تصوره، والذي تبين في وقت لاحق انه غير دقيق، بان العراق كان فاشلا امريكيا، وقد تعلمنا من ذلك الفشل، ولا ينبغي لنا التدخل في الدستور الداخلي والحكم في العراق، لكن الدرس الحقيق كان صحيحا، وكل ما علينا فعله هو ان نستبدل العراق بأي دولة، ولم يكن باراك اوباما مستعدا ليخطو هذه الخطوة”.
ترامب.. التيار الانعزالي!
واشار السفير الامريكي، الى ان “الرئيس ترامب، حاليا، لا يعتنق تلك النظرة للعالم، وله نظرته للجمهورية الليبرالية الديمقراطية في ما يتعلق بدور الدولة ودور الفرد وتختلف كثيرا عن نظرة ما نطلق عليه النخبة القومية التقدمية والدولية أو ما يسمى بطبقة (دافوس) وترامب علاوة على ذلك يمثل تيارا انعزاليا في السياسة الداخلية الامريكية ولا يرغب في رؤية الولايات المتحدة تنخرط عسكريا، وما تعلمناه هو انه اذا اردنا تغيير تلك المجتمعات علينا ان نفعل ذلك على ظهور الدبابات فهي لن تتغير من تلقاء نفسها”.
رسائل أمريكية للإعلام العراقي
وذكر جيفري، ان “مقارنة مع ما رأيته في العراق في 2004 و2005 والعودة من جديد في 2010 ان العراق كان مستعدا للعمل ويمتلك قوات أمنية ويصدر عدة ملايين من براميل النفط كل يوم رغم انه لم يمتلك ما يكفي من الكهرباء – ولا يزال الحال كما هو حتى اليوم – لكن كان يمتلك كمية محدودة من الكهرباء وكان قادرا على التكيف بعض الشيء وفيه هياكل حكومية وعاد ليصبح دولة مستقرة في عام 2010 ومع ذلك، كانت لدينا برامج ضخمة بمليارات الدولارات من الوكالة الامريكية للتنمية ووزارة الخارجية وكان الجيش الامريكي قد اندمج بشكل كبير في المجتمع لدرجة انه كان يدير 1.400 عملية ونشاطا مستقلا عدا عن عمليات القتال والدفاع عن النفس، وكان يقدم ما يطلق عليه عمليات المعلومات وكان لديهم أكثر من 50 شخصا يعدون رسائل تُرسل الى الاعلام العراقي حول وجود القوات الامريكية واهداف الولايات المتحدة في العراق”.
كراهية تجاه الولايات المتحدة
وتابع، انه “ادركت اننا لن نتمكن من تولي كل تلك المهام وانفاق 6 مليار دولار بفاعلية وان نكون موجودين في كل انحاء البلاد وان نؤدي دور الجيش فعليا، فكرة الجيش، ومعظم البيروقراطية، التي لم يكن اوباما مستعدا لمواجهتها، كانت اننا سنتولى كل مهام بناء الدولة باستخدام 6 مليار ووجود 16 ألف شخص عبر البلاد، لمشكلة انه كان هناك ما يكفي من العنف في البلاد ومن الكراهية فيه تجاه الولايات المتحدة سواء من بعض الجماعات الشيعية المدعومة من قبل ايران او من بعض السنة بدعم من بقايا القاعدة ما جعل التنقل خطيرا ما لم يكن لديك قدر هائل من الحماية”.
وضع الايرانيين تحت السيطرة
وافصح السفير السابق، انه “لم اكن بحاجة الى 6 مليارات دولار او 16 ألف شخص، ما كنت بحاجة اليه هو اتفاق في واشنطن على انني اقوم بعملي وان يرد الناس على مكالماتي ويمنحوني ما احتاج اليه فعليا لاحداث فرق حقيقي في العراق في الامور التي يمكن لقوة خارجية فاعلة وان تحدث فيها تأثيرا في بلد لا يزال يواجه تحديات الامن والتنمية، لو انني قلت: انظروا لا أريد مواصلة اعادة بناء البلد باكمله في صورتنا، كل ما اريده هو وضع الايرانيين تحت السيطرة ومنع عودة القاعدة واقتصاد قائم بذاته يعتمد على استغلال احتياطات النفط ومنهج تشغيلي بين السنة العرب والشيعة العرب والاكراد، تلك كانت مهمتي وهذا ما قضيت 90 في المئة من وقتي عليه”.
وكشف، ان “لم استطع تحدي الاجماع القائم في واشنطن وكأنهم لم يقرؤوا ما كتبه باراك اوباما وفي الوقت نفسه كنت ارجو واشنطن ان يمنحوني تلك الموارد التي كنت بحاجة اليها فعلا”.
تطور مفاجئ
واضاف، انه “لقد اسأنا التعامل مع دور ايران في المنطقة بشكل كبير على مدى 25 عاما الماضية وقد تغير هذا الوضع منذ هجوم حماس في السابع من اكتوبر الى حد كبير لأن ايران بالغت في تمددها وبفعل اجراءات اتخذهتها والولايات المتحدة واسرائيل ولاحقا بعض الدول العربية وتركيا وسوريا، انه تطور مفاجئ بالفعل لكن ما كان مفاجئا ايضا هو ان ايران كانت على ركبتيها بعد خسارة الحرب مع العراق وبعد خسارتها حرب ناقلات النفط في الخليج معنا وبعد ان سلكت مسارا مختلفا لعقد من الزمن مع رفسنجاني وآخرين ممن كانوا اكثر اعتدالا وحاولوا الانفتاح على الغرب لكنها عادت بعدها الى نهج توسعي عدائي وقد نفذت بفعلتها حتى في وجه معارضة الدول العربية ومعظمها في سوريا0020ومعارضة الولايات المتحدة، وعلى الرغم من هذه الجبهة القوية، انظر كيف نجحت ايران في التسلل الى العراق وسوريا ولبنان وغزة واليمن خلال 20 سنة”.
تركيز على محاربة الارهابيين السّنة
واوضح جيفري، ان “هناك اجابات كثيرة لذلك، لكن جزءا منها، هو انه دائما ما يكون لدينا أولويات اخرى، ادارة بوش لم تكن موالية لايران لكنها كانت تركز اكثر على محاربة الارهابيين السنة، وفي العراق كانت الادارة ملتزمة بالديمقراطية، ولان الشيعة كانوا الاغلبية بين السكان فقد كانت راضية تماما لرؤية رؤساء وزراء من الشيعة مثل (الجعفري) و(المالكي) ولرؤية ايران تملك قدرا من النفوذ، طالما انهم لا يطلقون النار علينا، لاننا كنا نواجه مشكلات أخرى في العراق، لذا تجاهلنا التسلل الايراني البطيء الى مؤسسات العراق في عهد بوش وفي عهد اوباما، فالى حد ما بعض المحيطين به وهو شخصيا كانوا يؤمنون حقا بما قاله في حديثه مع جيف غولدبرغ في عام 2015 حين اشار الى السعودية، لكنه في الحقيقة كان يشير الى الامريكيين انفسهم (علينا نتعلم كيف نتقاسم المنطقة مع ايران)، كان هذا ايمان اوباما، ان ايران كانت تتصرف بطريقة صعبة، سواء عبر صواريخها او وكلائها او ملفها النووي لانها تشعر بالتهديد، ولو امتنعنا عن تهديد ايران وبدلا من ذلك مددنا لها يد الصلح وسمحنا لها باداء دورها التاريخي في المنطقة ايا كان ذلك الدور فانها ستصبح معتدلة، كان اوباما يؤمن بذلك فعلا وهدفه الحقيقي من ابرام الاتفاق النووي كان بهدف تمهيد الطريق لدمج ايران في العالم الحديث، ولقد ارتكب اوباما نفس الخطأ الذيي ارتكبه الليبراليون في الستينات والسبعينات مع الاتحاد السوفيتي حين ظنوا انها دولة دفاعية ويمكن التوصل الى اتفاق معها، لكن الاتحاد السوفيتي كان دولة توسعية وقد عاد مجددا بهيئة روسيا التي يحكمها بوتين كدولة توسعية والامر ذاته ينطبق على الصين وايران، ولهذا السبب لم يسمح لنا بامتلاك الادوات اللازمة لمواجهة التوغل الايراني البطيء في العراق”.
امتلكنا سياسة صريحة
ورأى جيفري، ان “مكانة ايران الهائلة انهارت في آخر 18 شهرا بعد السابع من أكتوبر، وذلك امر مذهل، لكن السبب في ذلك انه، وباستثناء العامين الاخيرين، من ادارة ترامب الاولى اي بين 2018 و2020 حين كنت هناك وكان آخرون غيري، كان ذلك الوقت الوحيد الذي امتلكنا فيه سياسة صريحة تنص على اخراج ايران من المنطقة، من سوريا والعراق واليمن والى حد ما من لبنان”.
