معركة السيطرة على الحقيقة: لماذا يصر ترامب على أن البرنامج النووي الإيراني قد سُحق؟

في عالم السياسة، هناك دائماً روايات تُروى، ورجالٌ يسعون لتحويل الواقع إلى أساطير. لكن في حالة الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، يبدو أن هذه الأسطورة تزداد هشاشة مع مرور الوقت. إذ يقف الرجل، وفي قلب سجالاته الدائمة، مُصرّاً على أن الضربات الجوية الأميركية الأخيرة قد “سحقت” البرنامج النووي الإيراني، رغم أن الحقائق قد تكون أكثر تعقيداً.
تبدأ القصة في اللحظة التي أعلن فيها ترامب، عن أولى ضربات الطائرات الأميركية التي استهدفت المنشآت النووية الإيرانية. جاء حديثه حاسماً: “لقد دمرنا البرنامج النووي الإيراني بالكامل”. لكن المفاجأة كانت في ردود الفعل الهادئة من قِبل الاستخبارات الأميركية وبعض المسؤولين العسكريين. فالتقديرات الأولية من البنتاغون كانت أقل حماسة، بل وأكثر تشككاً في حجم الضرر الذي لحق بالبرنامج الإيراني.
ومع تسريب بعض التقارير الاستخباراتية التي حملت تقييماً مغايراً، بدأ الغموض في التسلل إلى المشهد. ففي الوقت الذي كان ترامب يُصر على أن الضربات قد حققت هدفها بنجاح، كانت التقديرات الاستخباراتية الأميركية تلمح إلى أن إيران ربما لم تتأثر تماماً بما حدث. وهنا، جاء التحول في السرد: بدأ الرئيس الأميركي في البحث عن روايات بديلة، ليؤكد قصته بشهادات إسرائيلية وإيرانية أيضاً.
“القائد الشجاع”
لكن السؤال الذي يطرحه كثيرون: لماذا هذا الإصرار من ترامب على الدفاع عن روايته بهذا الشكل؟ وما الذي يثير خوفه من التشكيك؟ الإجابة قد تكون أبسط مما يتصور البعض.
في عالم السياسة الأميركي، حيث تُعتبر صورة الزعيم القوي “غير القابل للتحدي” حجر الزاوية لبقاء الحاكم، يلعب ترامب على هذا الوتر بقوة. هو لا يريد أن يرى نفسه في موقف القائد الذي أخفق في تحقيق أهدافه. ومن هنا، كان لا بد له من أن يُجبر الجميع على تصديق روايته حول الضربات الجوية، لأن أي شك في ذلك قد يضر بصورته كرجل لا يهاب.
إلا أن التحدي الأكبر بالنسبة له يكمن في التبعات السياسية لهذه الضربات. فإذا تبين أن إيران ما تزال تحتفظ بقدرة على تطوير الأسلحة النووية، فإن هذا يعني أن ترامب سيضطر للعودة إلى الخيار العسكري مجدداً. وهذا الخيار يعني، في حالته، التصعيد، وهو أمر لا يتماشى مع ما وعد به أنصاره في حملته الانتخابية: “إخراج الولايات المتحدة من الحروب المستنزفة“.
“الحافة الرفيعة بين الأسطورة والواقع”
في النهاية، لا تقتصر مسألة الدفاع عن الضربات الجوية على كسر فكرة الأسطورة التي يسعى ترامب لترويجها، بل تتعلق كذلك بتجنب الوقوع في فخ المواجهة المستدامة مع إيران. فهذا السيناريو يعني دخول الولايات المتحدة في صراع طويل الأمد، وهو ما لا يمكن أن يتحمله ترامب سياسياً، خاصة وأن جزءاً كبيراً من قاعدته الشعبية لا يتحمل فكرة الانخراط في صراع لا نهاية له.
إذًا، ما يراه ترامب في هذه اللحظة ليس مجرد مسألة حماية لصورته، بل هي معركة وجودية سياسية. ففي عالم السياسة، حيث كل كلمة وحركة محسوبة، يبذل ترامب كل ما في وسعه لإغلاق أي هامش للشك، بغض النظر عن الدلائل المتناقضة التي قد تظهر لاحقاً.
الأسطورة قد تكون قوية، لكنها هشّة. والواقع، مهما حاول ترامب تغييره، يظل واقعاً.
