“من التعقيب إلى شراء البطاقات”.. الدورة الخامسة أمام أسوأ حصيلة تشريعية

وسط أزمة ثقة متفاقمة بين المواطن والبرلمان، تتجه الدورة النيابية الخامسة في العراق نحو نهايتها محملة بسجل مثقل بالإخفاقات التشريعية والتقصير الرقابي، وفق ما يؤكده أعضاء في المجلس أنفسهم.
فمع غياب النصاب المتكرر، وتعطل الجلسات، وتراكم القوانين غير المقرة، وفشل الاستجوابات، وتداخل الأدوار بين السلطتين التشريعية والتنفيذية، بدأت الأصوات ترتفع محذرة من حالة “الجمود التشريعي” و”الفراغ الرقابي” الذي يهدد مؤسسات الدولة ويقوض ثقة الشارع بالنظام البرلماني.
في هذا الصدد، يقول عضو مجلس النواب، حسين عرب، لـ”دجلة نيوز”، إن “الدورة النيابية الخامسة تشهد فشلاً واضحاً في أداء الدور الرقابي لمجلس النواب، في ظل غياب الجدية والانتظام في عقد الجلسات البرلمانية، وانخفاض نسب الحضور النيابي في أغلب الفصول التشريعية.
وأضاف عرب أن “مجلس النواب الحالي يعاني من خلل رقابي واضح، حيث لا توجد رقابة حقيقية على العديد من التفاصيل المهمة، وهو ما انعكس سلباً على أداء السلطة التشريعية ككل”.
وأشار إلى أن “الجلسات البرلمانية كانت غير منتظمة، وغالباً ما تعقد بحضور لا يرتقي إلى النصاب المطلوب، ما يضعف فاعلية البرلمان في التشريع والرقابة على حد سواء”.
وفيما يتعلق بالملفات الخدمية، أوضح عرب أن “هناك فشلاً حقيقياً في إدارتها من قبل عدد من المسؤولين التنفيذيين، ما دفع بعض النواب إلى التدخل في هذه الملفات لتعويض غياب الأداء الحكومي، وهو ما أدى إلى تداخل غير صحي بين الدورين التنفيذي والتشريعي”.
وأوضح أن “البعض من النواب دخلوا في أدوار تنفيذية لإرضاء جمهورهم، وتحولت مكاتبهم إلى أماكن لتعقيب المعاملات بدلاً من أن تكون أدوات رقابية وتشريعية”.
النائب كريم أبو سودة وصف الدورة منذ بدايتها بـ”البائسة”، مشيرًا إلى أن “انسحاب التيار الصدري عطل دور البرلمان، وأضعف قدرته في التشريع والرقابة”، مشيراً إلى أن “البرلمان لم يستجوب أي مسؤول حتى الآن، رغم وجود مخالفات واضحة”.
أما النائبة عالية نصيف فقالت في تصريح صادم عبر برنامج المقاربة الذي يعرض على شاشة “دجلة الفضائية”، : “منذ البداية قرأنا الفاتحة على هذه الدورة”، معتبرة أن “ما شرع من قوانين لا يتناسب مع ما رصد من ميزانية مالية للبرلمان”.
وأضافت أن “الكثير من القوانين التي تشرع تفصل حسب مقاسات جهات سياسية، بدل أن تعبر عن احتياجات الشعب”، مؤكدة أن “أخطر ما يواجه البرلمان اليوم هو تحكم رؤوس الأموال بشراء البطاقات الانتخابية، ما يهدد نزاهة العملية التشريعية المقبلة”.
وبحسب النائب أميد محمد عن الجيل الجديد، فإن أكثر من 150 مشروع ومقترح قانون لا يزال مؤجلًا، منها قوانين حيوية تمس حياة المواطنين مثل: قانون النفط والغاز، المحكمة الاتحادية، الخدمة المدنية.
فيما أشار إلى “وجود أكثر من 25 سؤالاً شفهياً موجهاً إلى وزراء ومسؤولين تنفيذيين، بعضها مؤهل للاستجواب”، لكنه أبدى تشاؤمه قائلاً: “لا أعتقد أننا سنحقق إنجازاً حقيقياً، لأن الكتل بدأت مبكراً حملاتها الانتخابية”.
ويشير مراقبون إلى أن النائب يتقاضى راتبًا شهريًا يقدر بـ8 ملايين دينار، أي ما يعادل 384 مليون دينار خلال الدورة النيابية كاملة، في وقت تصل كلفة الحملات الانتخابية لبعضهم إلى نحو 3 مليارات دينار، ما يفتح باب التساؤلات حول مصادر التمويل.
بدورها، كشفت النائبة زهرة البجاري عن “وجود 6 استجوابات جاهزة تم رفعها لهيئة رئاسة البرلمان، لكنها لا تزال دون تحديد مواعيد، ما يعكس ضعفاً في الإرادة السياسية لإجراء المساءلة”.
أما النائب حسين السعبري وصف الواقع داخل البرلمان بـ”الموت السريري”، حيث تعطل عقد الجلسات، بسبب عدم اكتمال النصاب، متهمًا “الكتل السياسية وهيئة الرئاسة بالتقصير”، مطالباً بـ”تفعيل النظام الداخلي ونشر أسماء المتغيبين وقطع رواتبهم”.
وبحسب النظام الداخلي للمجلس (المادتين 11 و18)، فإن النائب ينذر خطيًا في حال الغياب المتكرر، ويمكن إقالته إذا تجاوز ثلث الجلسات، لكن هذه النصوص لم تفعل فعليًا رغم الغياب الكبير.
ومنذ بداية الدورة النيابية في كانون الثاني/يناير 2022، عقد مجلس النواب العراقي نحو 134 جلسة فقط، في حين ينص النظام الداخلي على عقد 256 جلسة سنوياً، كما حدد النظام الداخلي عقد 8 جلسات شهرياً، وفصلاً تشريعياً يمتد 4 أشهر، بواقع 32 جلسة في كل فصل.
إلى ذلك اعتبر، المتحدث باسم ائتلاف النصر، عقيل الرديني، أن الدورة الخامسة كانت “الأضعف منذ 2005″، مشيرًا إلى “غياب تام للاستجوابات رغم مؤشرات الفساد، واتهم بعض النواب بالدفاع عن قوى معينة بدلاً من خدمة عموم الشعب”، محذرًا من “خطر هذا الانقسام على مستقبل الديمقراطية العراقية”.
من جهته، قال عضو اللجنة القانونية النائب محمد عنوز إن المجلس لم ينجز سوى 25 قانونًا من أصل 130، مشيرًا إلى أن الجلسات مرهونة بـ”اتفاقات سياسية تعقد خارج البرلمان، وأحيانًا تبرم صفقات سرية لتعطيل الجلسات أو تشريع قوانين معينة.”
ويستعد معظم أعضاء البرلمان الحالي، البالغ عددهم 329 نائباً، لخوض الانتخابات المقبلة مع تصاعد حركة التنقلات بين القوائم والأحزاب، في حين ينخرط آلاف المرشحين الآخرين من خارج البرلمان الحالي في حملات للتنافس على مقاعد الدورة القادمة، في وقت تعد هذه الدورة من أكثرها تعثراً منذ بدء الحياة البرلمانية في العراق عام 2005.
