سياسة

"الوزير القاتل" ورسائل مفخخة إلى الجوار.. ماذ يحدث في سوريا الجديدة؟

حجم الخط

دقيقة فيديو واحدة تسببت في أيام من الجدل وزيادة المخاوف في سوريا، بعد انتشار فيديو لوزير العدل في الحكومة المؤقتة شادي الويسي وهو يشارك في قتل سيدة رميا بالرصاص في الشارع قبل سنوات، ليلقي ذلك بظلال كبيرة من الشك تتعدى سوريا إلى دول الجوار التي تخشى عودة الإرهاب وما يتبعه من انتهاكات ضد الأقليات.

فقد مثل تعيين القيادي المتطرف في هيئة تحرير الشام شادي الويسي لمنصب وزير العدل صدمة كبيرة في الأوساط المحلية والدولية، دفع المراقبين إلى الحذر من شعارات الانفتاح التي رفعها قائد الإدارة السياسية الجديدة أحمد الشرع المعروف بـ “أبو محمد الجولاني”، زعيم هيئة تحرير الشام، من أجل الحصول على اعتراف دولي لتثبيت أركان سلطته في دمشق.

وصعد إلى السطح مقطع فيديو متداول على منصة إكس ، يظهر فيه الويسي يشارك في إعدام امرأة عام 2015 في الشارع رميا بالرصاص بدم بارد، بعدما قرأ الحكم عليها وطلب من أحد المسلحين تنفيذه في الحال.

ونقلت صحيفة النهار عن أحد السوريين على منصة إكس يدعى أحمد قوله: “أن يُمنح منصب وزير العدل في سوريا لشخص شارك في إعدام امرأة بدم بارد عام 2015 هو صفعة لكل قيم العدالة والإنسانية ورسالة صادمة إلى الداخل والخارج على حد سواء. هذا التعيين من المستحيل أن يكون مجرد خطأ إداري عابر بل هو انعكاس لمنظومة تعاني من غياب المعايير الأخلاقية والمهنية”.

– الدعم “المجاني”..

وتسارعت وتيرة هبوط الطائرات في مطار دمشق، قادمة من وجهات أوروبية مختلفة، للتواصل وتقديم الدعم الدبلوماسي “المجاني” للإدارة السورية الجديدة، رغم طبيعة التعيينات الحكومية التي غلب عليها قيادات هيئة تحرير الشام التي غيرت اسمها من جبهة النصرة الموالية لتنظيم القاعدة.

وقد سافرت وزيرة الخارجية الألمانية أنالينا بيربوك رفقة نظيرها الفرنسي جان نويل بارو مع بارو إلى سوريا يوم الجمعة بالنيابة عن الاتحاد الأوروبي، بينما اصطدما الضيفان بأول موقف غير لطيف عندما امتنع أحد مستقبليهم في المطار بمصافحة بيربوك، وعندما وصلت إلى قصر الشعب للقاء الشرع، امتنع هو أيضا عن مصافحتها.

وفي الوقت الذي قالت فيه بيربوك أنها لم تتوقع أن يصافحها مسؤولي الإدارة الجديدة في سوريا، فإن سلوك هؤلاء المسؤولين لم يخل من أفكارهم المتشددة تجاه التعامل مع المرأة.

وقالت بيربوك في تصريح صحفي، إن انطباعها الأول تمثل في وجود مجتمع منقسم، فمن ناحية، هناك أمل في الحرية بعد سنوات الحرب الأهلية والتعذيب والقمع. ومن ناحية أخرى، يشعر الكثيرون بالقلق من أن الآمال قد تتبدد بالنسبة للنساء والأقليات الدينية والعرقية.

وكتبت كايا كالاس، رئيسة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، على منصة التواصل الاجتماعي أكس بشأن الرحلة: “رسالتنا إلى القيادة الجديدة في سوريا: احترام المبادئ المتفق عليها مع الجهات الفاعلة الإقليمية وضمان حماية جميع المدنيين والأقليات هو أمر في غاية الأهمية”.

ويوم الأحد الماضي، زار المبعوث الأمريكي دانيال روبنشتاين دمشق والتقى مع وزير الخارجية أسعد الشيباني، حيث أبلغه أن الولايات المتحدة قلقة بشأن التقارير المتعلقة بالعنف والانتقام والتخويف ضد الأقليات، وأنه يجب وقف هذه الهجمات، حسبما كشف موقع أكسيوس الأميركي.

وتظهر هذه التصريحات القلق الدولي من الانتهاكات الواسعة ضد نساء وأقليات عرقية ودينية في سوريا، بينما لم يمض شهر واحد على الإدارة الجديدة بقيادة هيئة تحرير الشام الإسلامية.

لكن رغم ذلك، أوصت ألمانيا الاتحاد الأوروبي برفع العقوبات عن سوريا، فيما أعلنت واشنطن إعفاءات من العقوبات التي تفرضها على دمشق.

– انتهاكات دبلوماسية؟..

في حادثة غربية، اقتحمت قوات الأمن التابعة للإدارة السورية الجديدة ثلاث من المقرات الدبلوماسية العراقية لدى دمشق، وهي مقر حزب الاتحاد الوطني الكردستاني، ومكان إقامة ممثله، ومقر ثالث سكني تعود ملكيته للرئيس العراقي الأسبق جلال طالباني، حسبما نقلت قناة العربية عن مصدر دبلوماسي عراقي.

وأضاف المصدر أن الاقتحام تم في وقتٍ متأخر من ليل الجمعة، لكن لم يتم الإعلان عن ذلك أملاً في التوصل إلى حلول مع الإدارة الجديدة لإعادة المقرات التي تم الحجز عليها.

ويرى مراقبون أن الواقعة تعد انتهاكا واضحا للأعراف الدبلوماسية، خاصة مع عدم وجود تواصل مسبق مع الجهات العراقية لتجنب أي ضرر في العلاقات التي لا تزال في مرحلة الحذر.

كما أن استهداف مقرات تعود إلى هيئات سياسية عراقية، يعطي مؤشرا غير مريحا عن طريقة تعامل الإدارة الجديدة مع العراق عموما، والأكراد على وجه خاص.
ويأتي ذلك بعد أسبوعين من زيارة قام بها رئيس الاستخبارات العراقية حميد الشطري التقى فيها الشرع في دمشق، لمناقشة الملفات الأمنية ومكافحة الإرهاب ، لكن جدلا كبيرا صاحب الزيارة بعدما استقبل الشرع ضيفه العراقي وهو حاملا سلاحه في خصره، في لفتة لا تشير إلى أجواء ودية تبديها السلطة المؤقتة تجاه العراق.
كما تخوض هيئة تحرير الشام مع فصائل أخرى في شمال شرقي البلاد معارك بالوكالة عن تركيا ضد قوات سوريا الديمقراطية المؤلفة من المسلحين الأكراد الذين ساعدوا في القضاء على تنظيم داعش، الأمر الذي يتبعه انتهاكات ضد السوريين الأكراد في منطقة النزاع.

– خوف بين الأقليات..

ورغم احتفال السوريين المسيحيين بأعياد الميلاد مع محاولة الإدارة الجديدة تهدئة المخاوف، فإن القلق ما زال مسيطرا على المسيحيين، حيث يشهدون حوادث متفرقة من استهداف كنائسهم ومظاهرهم الدينية، مثل حرق شجرة عيد الميلاد في منطقة السقيلبية في ريف حماة الغربي مؤخرًا. كما اعتدى مجهولون على مطرانية الروم الأرثوذكس في مدينة حماة، ونشرت صوراً توثق هذه الانتهاكات.
وشهدت مدينة دمشق وعدد من المدن السورية خروج مظاهرات تضم مسلمين ومسيحيين تدين الاعتداء على الرموز المسيحية.

وقال أحد المتظاهرين ويدعى جورج لوكالة فرانس برس: “نزلنا لأن هناك الكثير من الطائفية والظلم ضد المسيحيين تحت اسم تصرفات فردية”.

وأبدى الأب أندرو باهي لوكالة الأنباء الألمانية (dpa) تخوفه من الأوضاع التي تعيشها سوريا بعد سقوط نظام بشار الأسد، قائلا: “من حقنا أن نتخوف.. لقد تعرضت أحياء مناطق شرق دمشق خلال السنوات الماضية لسقوط مئات القذائف وصمدنا في بيوتنا، لكن الآن لا تزال الأجواء غامضة هناك تضارب وتناقض بين الأقوال والأفعال”.

وأدانت السلطة الحالية هذه الجرائم وقالت إنها نابعة من تصرفات فردية، لكن مع انتشار مسلحي هيئة تحرير الشام (جبهة النصرة سابقا) في الأحياء والشوارع، لم تتحرك الحكومة لكبح هذه التصرفات.

ووثق المرصد السوري لحقوق الإنسان ارتكاب 51 جريمة قتل مؤخرًا، بعضها على شكل إعدامات ميدانية، أسفرت عن مقتل 94 مدنيًا، بينهم أربع سيدات، واستهدفت مناطق يقطنها أبناء الطائفة العلوية بشكل كبير.

وامتدت الاعتداءات لتشمل استهداف المقامات الدينية، أبرزها الهجوم على مقام الشيخ أبو عبد الله الخصيبي، مؤسس الطائفة العلوية، في حلب، إضافة إلى حرق مقام الشيخ محمد العجمي في قرية الصفصافية بريف حماة الغربي.
وأثارت هذه الاعتداءات موجة غضب في الأوساط الشعبية، وسط مطالبات من قيادات علوية بحماية الأقليات في البلاد.

وتسعى الإدارة الجديدة إلى نزع السلاح من الأقليات الدينية والعرقية، لكنها تواجه رفضا مع عدم وجود ضمانات بأنه لن يتم توجيه سلاح السلطة ضد الأقليات في مرحلة لاحقة، مشترطين وجود سلطة دائمة وضمانات دستورية وهيكلية واضحة للجيش وقوى الأمن، حيث تسيطر هيئة تحرير الشام حاليا على المؤسستين.

من جانبه، أطلق المرصد السوري نداءً عاجلًا للمجتمع الدولي والمنظمات الحقوقية والإنسانية للتدخل الفوري لوقف الانتهاكات الجسيمة التي يرتكبها المسلحون في مناطق سورية ضد الأقليات.

– ضد النساء..

وفي أول شهر بعد انهيار نظام بشار الأسد، شهدت سوريا العديد من الانتهاكات بحق النساء والأقليات. ففي حي السليمانية المسيحي في مدينة حلب، طاف عدد من المسلحين التابعين لهيئة تحرير الشام، يصيحون عبر مكبرات صوت قائلين للسكان:” الحجاب الحجاب.. لا للاختلاط بين النساء والرجال”، بحسب فيديو تداول نشره المركز الوطني لتوثيق الإنتهاكات في سوريا، ومقره زيورخ.

وجاء ذلك في وقت انتشر فيه مقطع مصور في أحد المشافي بالساحل السوري، يطلب فيه مسلح من القائمين على العمل هناك امتناع النساء عن الاختلاط بالرجال في مصاعد المشفى.

وخرج مئات السوريين في ساحة الأمويين وسط العاصمة دمشق يوم 19 ديسمبر، في أول احتجاج بعد رحيل بشار الأسد، رافعين شعارات تُطالب بإقامة دولة مدنية تضم جميع المكونات وبمشاركة النساء.
ورغم محاولة السلطة الجديدة إبداء مظاهر الانفتاح، فإن عددا من المسؤولين البارزين لم يستطع إخفاء الرؤية المتطرفة تجاه النساء.

فقبل أسبوعين، قال المتحدث الرسمي باسم الإدارة السياسية التابعة لإدارة العمليات العسكرية في سوريا عبيدة أرناؤوط إن “كينونة المرأة وطبيعتها البيولوجية والنفسية لا تتناسب مع كل الوظائف كوزارة الدفاع مثلاً”، في إشارة إلى رفضه لفكرة تولي النساء مناصب معينة في الحكومة، مما اعتبره العديد من السوريين والسوريات إهانة لدور المرأة في المجتمع وتقليلاً من كفاءتها وقدراتها.

وأثارت تصريحات أدلت بها مديرة مكتب شؤون المرأة في الإدارة السورية الجديدة عائشة الدبس حول النساء جدلا واسعا على مواقع التواصل الاجتماعي في سوريا وانتقادات من المجتمع المدنية.

وسُئلت الدبس خلال مقابلة تلفزيونية الأسبوع الماضي عن المساحة التي ستمنح للمنظمات النسوية في سوريا مستقبلا، فقالتإنه ينبغي لعمل هذه المنظمات أن “يدعم النموذج الذي نحن بصدد بنائه… لن أفتح المجال لمن يختلف معي بالفكر”.

– دعم تركي قطري..

تشكل الأدوار الخارجية في الصراع السوري العمود الفقري في تشكيل النظام الجديد، فيما تعد تركيا الداعم الرئيسي للحراك المسلح بقيادة هيئة تحرير الشام الذي أطاح بنظام بشار الأسد في سوريا، مما يعكس طموحاتها في فرض نفوذها العسكري والاقتصادي في المنطقة.

وذهب مراقبون إلى وصف التحركات التركية الأخيرة بأنها جزء من “استراتيجية لاستعادة النفوذ العثماني” عبر أذرع إسلامية مسلحة في المنطقة، تملأ فراغ النفوذ الإيراني الذي تقلص في سوريا وقبلها غزة ولبنان.

كما أن الطموح التركي يرافقه انتهاك عسكري لسيادة سوريا والعراق عبر الحرب المستمرة التي تشنها أنقرة على التنظيمات الكردية في أراضي الدولتين.

وبحسب تقارير دولية عديدة، فقد قدمت قطر دعما ماليا ضخما منذ عام 2011 لتسليح الجماعات السورية المعارضة، ومن بينها جبهة النصرة التي أصبحت هيئة تحرير الشام لاحقا. ورغم عدم وجود أي إعلان رسمي بهذا الشأن فإن قيام الدوحة بالتفاوض على صفقة عام 2014 للإفراج عن الصحفي الأمريكي بيتر ثيو كورتيس، الذي كان محتجزًا لدى جبهة النصرة، أثبت وجود صلات قوية مع النصرة.

وكان تقرير نشرته الصحيفة الرسمية لمجلس القضاء العراقي في أغسطس 2020، قد كشف عن الدعم القطري لجبهة النصرة، من خلال استجواب القيادي المغربي في النصرة عصام الهنا، المعروف بأبي منصور المغربي، الذي قال إنه كان على تواصل مع جهات خارجية منها قطرية للحصول على التمويل المالي.

وكان الهنا مسؤولا سابقا في داعش عن تجنيد العناصر عبر تنسيق مع جهات في تركيا، وفق اعترافاته للسلطات العراقية.

ويجدر الإشارة إلى أن رحلة الجولاني الجهادية في العراق بدأت بعد الغزو الأمريكي عام 2003، حيث انضم لتنظيم القاعدة في العراق، الذي كان البذرة الأولى لتنظيم داعش. في معسكر بوكا، حيث سُجن عام 2005، عزز الجولاني علاقاته الجهادية وتعرف على أبو بكر البغدادي، الذي أصبح قائد داعش لاحقًا، وارتكب فظائع في الموصل، وصلت إلى حد استعباد نساء إيزيديات في جريمة غير مسبوقة في التاريخ الحديث.

وفي 2011، كلفه البغدادي بتأسيس جبهة النصرة في سوريا، والتي سرعان ما تحولت إلى قوة بارزة في الحرب السورية.

في 2016، أعاد الجولاني تسمية جبهة النصرة إلى جبهة فتح الشام، قبل أن تتحول إلى هيئة تحرير الشام عام 2017، بضم فصائل متشددة أخرى.

وتثير الانتهاكات الحالية مع الماضي المتطرف الشكوك من قدرة الإدارة السورية الحالية على قيادة البلاد بعيدا عن التطرف، وهو ما يشكل تحديا كبيرا لدول الجوار التي لا تزال تكافح في محاربة التنظيمات المتطرفة وعلى رأسها داعش، وما خلفته من كوارث أمنية وإنسانية.

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى