
توفيت، اليوم الأربعاء، الدكتورة جودال، التي أحدثت أبحاثها تحولاً في أساليب دراسة العلماء للسلوك الاجتماعي بين الأنواع، عن عمر ناهز 91 عاماً. وأعلن معهد جين جودال عن وفاتها يوم الأربعاء، مشيراً إلى أنها كانت في كاليفورنيا في جولة لإلقاء محاضرات. ولم تتوفر تفاصيل إضافية على الفور.
على مدى مسيرة مهنية امتدت لأكثر من نصف قرن، استخدمت الدكتورة جودال شهرتها العالمية لتسليط الضوء على محنة تضاؤل أعداد الشمبانزي، وعلى نطاق أوسع، على مخاطر الدمار البيئي.
لم تكن جين جودال تتمتع بأيّ تدريب علمي، ولا حتى بشهادة جامعية، عندما ادّخرت، في الثالثة والعشرين من عمرها، مبلغًا من المال لزيارة صديقة لها في كينيا. كانت سكرتيرة في لندن، وأحيانًا نادلة، تتمتع بروحٍ نابضة بالحياة وشغفٍ رومانسي بالحيوانات وأفريقيا، مستوحىً في معظمه من روايتي “دكتور دوليتل” و”طرزان” من طفولتها.
غيّر لقاءٌ في نيروبي مع عالم الأنثروبولوجيا القديمة البارز لويس ليكي مسار حياتها، ووضعها على مسارٍ غير متوقع لتصبح أبرز عالمة رئيسيات في العالم. أحدثت ملاحظاتها المذهلة حول سلوكيات الشمبانزي – من صنع الأدوات إلى خوض الحروب – ثورةً ليس فقط في الفهم العلمي لقدرات أبناء عمومتنا القردة وحياتهم الداخلية، بل أيضًا في مفاهيم راسخة حول معنى أن تكون إنسانًا.
كان ليكي الشخصية المحورية في مسيرة الدكتورة جودال المهنية، إذ أثبتت أبحاثه أن أفريقيا هي مهد الإنسان، وموطن تطور الإنسان العاقل. وقال إن القردة العليا تحمل أدلة مهمة حول سلوك أشباه البشر الأوائل. وأضاف أن النساء، اللواتي اعتبرهن أكثر صبرًا وأقل تهديدًا من الرجال، كُنّ مؤهلات تمامًا لمراقبتهن.
كان ليكي، الذي يعمل أمينًا لمتحف للتاريخ الطبيعي في نيروبي، مفتونًا بالدكتورة جودال عندما التقيا في نيروبي أواخر خمسينيات القرن الماضي. عيّنها سكرتيرةً له، ثم دعاها إلى رحلته التالية للتنقيب في مضيق أولدوفاي، حيث أثبتت شجاعتها وسط الحيوانات البرية. وخلال تلك الرحلة الاستكشافية التي استمرت أسابيع دون استحمام، بدأت بربط شعرها على شكل ذيل حصان، وهي سمة أسلوبية ستحتفظ بها طويلًا بعد أن تحول شعرها من الأشقر إلى الرمادي.
بعد فترة وجيزة من عودة الفريق إلى نيروبي، دعا ليكي الدكتورة جودال لقيادة مشروع بحثي جديد على الشمبانزي. رأى في قلة خبرتها ميزةً منحتها “عقلًا مرتبًا وغير متحيز بالنظريات”.
طلب من الدكتورة جودال الذهاب إلى غابات ما كان يُعرف آنذاك بتنزانيا (تنزانيا لاحقًا) لمراقبة الشمبانزي. أقامت معسكرًا تحت أشجار نخيل الزيت بالقرب من شاطئ بحيرة تنجانيقا الرملي والحصوي، إحدى أكبر بحيرات المياه العذبة في العالم.
أدلت بملاحظاتها النقدية الأولى بعد عدة أشهر، في خريف عام ١٩٦٠، وهي تجلس القرفصاء في غابات محمية نهر غومبي. شاهدت شمبانزيًا أسمته ديفيد غرايبيرد يتغذى على خنزير بري صغير ذُبح حديثًا، وهي وجبة تناقض الاعتقاد السائد بأن الشمبانزي نباتية تمامًا.
بعد أيام، رأت ديفيد يُدخل نصلًا طويلًا من العشب في كومة نمل أبيض، ثم يسحب الساق. كان العشب مُغطى بالنمل الأبيض، والتهمه الشمبانزي.
أثبتت تلك المهمة البسيطة – التي بدت عابرة – أنها اكتشافٌ مذهل. أحدث بحثها، الذي نُشر في مجلة نيتشر عام ١٩٦٤، صدمةً في عالمي سلوك الحيوان والأنثروبولوجيا. فقد شاهدت الدكتورة جودال قردًا يصنع أداةً ويستخدمها – وهو سلوكٌ كان يُعتقد آنذاك أنه سمةٌ بشريةٌ بالأساس.
“الآن يتعين علينا إعادة تعريف كلمة ‘أداة’، أو إعادة تعريف كلمة ‘إنسان’، أو قبول الشمبانزي كبشر”، هذا ما كتبه ليكي إلى الدكتورة جودال في برقية بعد تلقيه خبر اكتشافها.
مثّل هذا الاكتشاف بداية مسيرة مهنية امتدت لأكثر من نصف قرن، وميّزت الدكتورة جودال كأول عالمة تُجري مثل هذه الدراسة المنهجية طويلة الأمد على الشمبانزي البري. في حين ركّز الباحثون السابقون بشكل شبه كامل على الشمبانزي في الأسر، انخرطت الدكتورة جودال في دراسات منهجية طويلة الأمد في البرية. وقد أظهر بحثها في محمية غومبي ستريم أن الملاحظة الميدانية الدؤوبة قد تكون أكثر كشفًا من التجارب المعملية، كما صرّح لاحقًا عالم التطور ستيفن جاي غولد، واصفًا عملها مع الشمبانزي بأنه “أحد أعظم الإنجازات العلمية في العالم الغربي”.
المصدر: واشنطن بوست
